السبت، 24 نوفمبر 2012

تعريف الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعية)



تعريف الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعية)

تعرّف بوجه عام، بأنّها العلم الذي يبحث في شكل الإنسان من حيث سماته العضوية، والتغيّرات التي تطرأ عليها بفعل المورّثات. كما يبحث في السلالات الإنسانية، من حيث الأنواع البشرية وخصائصها، بمعزل عن ثقافة كلّ منها. وهذا يعني أنّ الأنثروبولوجيا العضوية، تتركّز حول دراسة الإنسان / الفرد بوصفه نتاجاً لعملية عضوية، ومن ثمّ دراسة التجمعّات البشرية / السكانية، وتحليل خصائصها.
وتهتمّ هذه الدراسة بمجالات ثلاثة هي :
-
المجال الأوّل : ويشمل إعادة بناء التاريخ التطوّري للنوع الإنساني، ووصف (تفسير) التغيّرات التي كانت السبب في انحراف النوع الإنساني، عن السلسلة التي كان يشترك بها مع صنف الحيوانات الرئيسة .
-
المجال الثاني : يهتمّ بوصف (تفسير) التغيّرات البيولوجية عند الأحياء من الجنس الإنساني. وتمتدّ هذه الأبحاث لتشمل : العلاقة الكامنة بين التركيب البيولوجي من جهة، والثقافة والسلوك من جهة أخرى.
-
المجال الثالث : وهو تخصّص هام في علم الأنثروبولوجيا العضوية، ويبحث في الرئيسات : علاقاتها مع بيئاتها، تطوّرها، سلوكها الجماعي.
ومن أجل إعادة بناء التاريخ التطوّري للإنسان، يعمل علماء الأنثروبولوجيا الطبيعية – أحياناً- ما يعتبره غالبية الأنثروبولوجيين العمل الأكثر سحراً في الأنثربولوجيا العضوية، وهو البحث عن المستحاثات، ولا سيما تلك التي تتعلّق بالنوع الإنساني، وبأسلافه من الرئيسات التي وجدت من قبله. Daniel , 1990,8))
ويستخدم مصطلح الأنثربولوجيا الطبيعيّة (العضوية) للإشارة إلى ذلك العلم الذي يهتمّ بدراسة الجانب العضوي (الحيوي) للإنسان، منذ نشأته كنوع حيواني على سطح الأرض، وقبل فترة زمنية تزيد على ثلاثة ملايين سنة ونيّف، وحتى الوقت الحاضر الذي نعيش فيه.
إنّ الموضوع الأساسي في الأنثروبولوجيا العضوية (الفيزيائية) هو الاختلاف البيولوجي الذي يطرأ على الكائن الإنساني في الزمان والمكان .. والشيء الذي ينتج غالبية هذه الاختلافات، هو اتحاد المقومات الوراثية مع البيئة .. فثمّة تأثيرات بيئية لها صلة مباشرة بهذا الموضوع، مثل : (الحرارة، البرودة، الرطوبة، أشعة الشمس، الارتفاع، والمرض ..). وهذا التركيز على اختلاف الكائن الإنساني عن غيره من الرئيسات، يضم خمسة تأثيرات محدّدة تدخل في سياق الأنثروبولوجيا العضوية، وهي :
1-
نشوء الكائن الشبيه بالإنسان، كما تمّ الكشف عنه من خلال التقارير التي نجمت عن البحث في المستحاثات (الأنثروبولوجيا القديمة ).
2-
التركيب الوراثي للإنسان .
3-
نموّ الإنسان وتطوّره .
4-
المرونة (المطواعية) الموجودة في بيولوجيا الإنسان (قدرة الجسم على التكيّف مع ضغوطات، مثل : الحرارة، البرودة، درجة حرارة الشمس..)
5-
التركيب البيولوجي وما يتبعه من عملية النشوء والسلوك والحياة الاجتماعية للسعادين (القردة )، والحيوانات الأخرى من فصيلة الرئيسات. Kottak, 1994,9))
ولا بدّ من الإشارة هنا، إلى أنّ الألمان يعتبرون / يوهان بلومينياخ / المؤسّس الأول للأنثروبولوجيا الطبيعيّة. فهو من الروّاد في دراسة الجماجم البشرية، كما أنّه قسّم الجنس البشري إلى خمسة أقسام (سلالات )، هي : القوقازي، المغولي، الأثيوبي، الأمريكي، والملاوي. (سليم، 1981،
ص 122)
ولكي نستطيع أن نفهم الإنسان كنتاج لعملية عضوية، يجب أن نفهم تطوّر أشكال الحياة الأخرى، بل وطبيعة الحياة ذاتها، وكذلك خصائص الإنسان القديم والإنسان الحديث .. وقد استطاع هذا العلم – من هذه المنطلقات – أن يجيب عن العديد من التساؤلات ، التي كانت موضع اهتمام الإنسان وتفكيره منذ القديم وحتى العصر الحاضر. (محمّد، 1974، ص 12)

ثانياً- فروع الأنثروبولوجيا العضوية
تقسم الأنثروبولوجيا العضوية بحسب طبيعة الدراسة، إلى فرعين أساسيين، هما:
1-
فرع الحفريات البشرية Paleontology)) :
وهو العلم الذي يدرس الجنس البشري منذ نشأته، ومن ثمّ مراحله الأولية وتطوّره، من خلال ما تدلّ عليه الحفريات والآثار المكتشفة. أي أنّه يتناول بالبحث نوعنا البشري واتجاهات تطوّره، ولا سيّما ما كان منها متّصلاً بالنواحي التي تكشفها الأحافير. (لينتون، 1967، ص 17)
ومهمّة هذا النوع من الدراسة، هي محاولة استعادة (معرفة) ما نجهله عن الإنسان البائد، وذلك من خلال الحفريات التي تكشف عن بقاياه وآثاره وما خلفه وراءه من أدوات، ومحاولة تحليل هذه المكتشفات من أجل معرفة الأسباب التي دعت إلى حدوث تغيّرات مرحلية في شكل الإنسان، الذي أصبح كما هو عليه الآن.
ويحاول العلماء الذين يدرسون هذا الفرع، الإجابة عن العديد من التساؤلات التي تدور حول موضوع الإنسان، وكيفيّة ظهوره على الأرض، ومن ثمّ كيف اختلفت الأجناس البشرية، بفصائلها وسلالاتها وأنواعها. وكيف تغيرّ الإنسان وتطوّرت الحياة على وجه الأرض إلى أن وصلت إلىشكلها الحالي / المعاصر. (ناصر، 1985، ص32)
وقد برهن العديد من الحفريات التي تمّت في هذا المجال، على أنّ الإنسان القديم الذي كان يعيش على هذه الأرض منذ ما يقرب من نصف مليون سنة ، كان يختلف عن الإنسان الحالي، حيث كان أكبر حجماً وأقوى بنية، إضافة إلى بروز فكيّه وغور عينيه وعرض جبهته ..
2-
فرع الأجناس البشرية أو الأجسام البشرية Somatology)):
وهو العلم الذي يدرس الصفات العضوية للإنسان البدائي (المنقرض) والإنسان الحالي، من حيث الملامح الأساسية والسمات العضوية العامة. ولذا كرّس علماء الأجسام معظم جهودهم لدراسة الأصناف البشرية ورصد الفروقات بينها، ومحاولة معرفة الأسباب المحتملة لهذه الفروقات .. ويلاحظ أنّ اهتمامهم انصبّ – إلى عهد قريب جدّاً – على تصنيف الأجناس البشرية المختلفة على أساس العرق، وإيجاد العلاقات المحتملة بين هذه الأجناس .
ويمكن القول : إنّ التصنيفات العرقية التي طوّرها علماء الأجناس البشرية، لا تزال تعتمد في المقام الأوّل، على خصائص سطحيّة بسيطة : كلون الجلد وشكل الشعر. وفي الآونة الأخيرة ، أخذ الاهتمام يتحول إلى فروق أقلّ وضوحاً وأوثق ارتباطاً بالمشكلات التي نواجهها، كالفروق بين أنواع الدم وبين الأجهزة العضلية وغيرها. ومع بداية الستينات من القرن العشرين، سار علماء الأجسام شوطاً أبعد من ذلك، إذ بدأوا يدرسون الفوارق بين الفئات المختلفة من حيث سرعة النمو، وسنّ النضوج الجنسي، ومدى المناعة ضد الأمراض. .( لينتون، 1967، ص 18-19) ويمكن القول : إنّ الكثير من اكتشافاتهم في هذه الميادين، قد يكون ذا قيمة علمية مباشرة، ولا سيّما في الدراسات الأنثروبولوجية.
وعلى هذا الأساس، فإنّ فرع الأجناس البشرية، يدرس التغيّرات البيولوجية التي تحصل بين مجموعات إنسانية في مناطق جغرافية مختلفة، على أساس تشريحي ووراثي، وذلك من خلال المقارنة مع الهياكل العظمية للإنسان القديم، والموجودة في المقابر المكتشفة حديثاً. وهذا ما ساعد العلماء كثيراً، في وضع التصنيفات البشرية على أسس موضوعية وعلمية، يمكن الاعتماد عليها في دراسة أي من المجتمعات الإنسانية .
وتعمد الأنثروبولوجيا العضوية من أجل أن تحقّق أهدافها في دراسة أصل الإنسان دراسة تاريخية وفق منهجية علمية، إلى الاستعانة بعلم الأحياء وعلم التشريح، إلى درجة يمكن معها أن يطلق على الأنثروبولوجيا العضوية اسم " علم الأحياء الإنسانية Human Biology " أي أنّها الدراسة التي تتعلّق بالإنسان وحده دون غيره من الكائنات الحيّة الأخرى.
واستناداً إلى ما تقدّم، يمكن القول إنّ الأنثروبولوجيا العضوية (الطبيعية) إنّما تدرس تلك الخصائص والملامح العامة للبناء الفيزيقي للإنسان، أو ما يسمّى بالبناء العضوي للإنسان. (اسماعيل، 1973، ص 42) أي أنّها تدرس التاريخ العضوي للإنسان الطبيعي، مع الأخذ في الحسبان خصائصه العضوية المختلفة، وملامحه البنائية الحالية والمنقرضة، وبما يعطي في النهاية، المراحل التطوّرية الارتقائية للجنس البشري.
ثالثاً-الصفات العضوية للإنسان وعروقه :
يتصف الإنسان بميزات عضوية خاصة، لا يشاركه فيها إي من
الكائنات الحيّة الأخرى، وتتمثّل هذه الصفات في الجوانب التالية:
Ardrey , 1961, p.86) (
-
انتصاب القامة والسير على قدمين اثنين .
-
تركيب الرأس من حيث شكله ومكوّناته .
-
تركيب الجسم، من حيث شكله العام ومقاييس أطرافه (الذراعين والساقين) ومدى تناسبهما مع الأعضاء الأخرى في الجسم .
-
محدودية المساحات التي ينبت فيها الشعر، وتحديد أماكن وجودها.
-
فترة الطفولة الطويلة، مقابل قصرها عند الكائنات الرئيسة الأخرى (الثدييات) .
وعلى الرغم من الصفات الجسميّة العامة المشتركة بين البشر، إلاّ أن ثمة فروقات في تكوين بعضها وخصائصها، والتي تؤثّر إلى حدّ ما ببنية الشخصيّة الإنسانية، ولا سيّما من النواحي النفسيّة والسلوكية .
وكان من نتائج انشغال علماء الأنثروبولوجيا الجسمية بمسألة العرق، أن اكتسب هذا المفهوم (النوع أو العرق) رسوخاً أعاق تفكير الباحثين عن الكائن البشري. فالأصناف العرقية البشرية ظلّت – إلى عهد قريب _ تعتبر كيانات ثابتة نسبيّاً، وقادرة على الصمود أمام تأثيرات البيئة أو قوى التغيّر الفطرية.
ويلاحظ أنّ التطرّف في تمجيد فكرة (العرق) أدّى إلى فرض عدد محدود من التصنيفات الصارمة على بني البشر الذين يمتازون بتنوّع لا حدّ له، وأدى بالتالي إلى زجّ الأفراد في هذه التصنيفات، بصورة تطمس صفاتهم الأصلية الخاصة. ولو أنّ عملية التصنيف لوحقت ضمن المجالات المناسبة لها، ومن أجل الأضواء التي تلقيها على تطوّر الإنسان، ولو أنّها أيضاً اقترنت بإدراك طبيعتها – شبه الاعتباطية- لكان من الممكن حصر نتائجها في استعمالات عملية مشروعة .
ولكنّ هذه العملية – ولسوء الحظّ- تحمل في طيّاتها نزعة تلقائية إلى المبالغة .. وما ذلك إلاّ لأنّ طبيعة التصنيف نفسها، تقتضي اعتبار الشواذ والأشكال المغايرة، كما لو أنّها من الظاهرات التي تستحقّ الاستهجان. ومهما يكن الأمر، فإنّ هذه الأشكال المغايرة، هي نفسها التي اكتسبت دلالة خاصة في التطوّرات الأخيرة لعلم البيولوجيا. (لينتون، 1967، ص 46 )
واستناداً إلى هذه الاختلافات الشكلية وأيضاً السلوكية، فقد جرى الاتّفاق بين علماء الإنسان على تقسيم البشر إلى ثلاثة أجناس أو عروق رئيسيّة، وهي: (أبو هلال، 1974، ص 107 )
1/3/1-
العرق الأبيض (القوقازي) : يمتاز هذا العرق بصفات خاصة في: (علو الأنف ودقّته، اعتدال الشفة وبروز الفكّين، استقامة العينين، تموّج الشعر وتجعّده، وكثرة شعر الجسم وكثافة اللحية..)
ويندرج ضمن هذا العرق : العرق الهندي – عرق البحر الأبيض المتوسط، العرق الألبي (وسط أوروبا )، العرق النوردي (الإيرانيون، الأفغان، البربر، المصريون، والأثيوبيون ).
1/3/2-
العرق الأسود (الزنجي) : يمتاز بالأنف المتوسّط والشفة الغليظة، والفك البارز بشكل كبير. وكذلك بالعيون المستقيمة والشعر القصير الأشعث، والرأس المستطيل.
ويمثّل هذا العرق : زنوج أمريكا، زنوج أفريقيا الوسطى، والحاميون النيليون في مصر .
1/3/3-
العرق الأصفر (المنغولي) : يمتاز هذا العرق ببشرة معتدلة الدكنة، ويتراوح بين اللون النحاسي البنّي كما عند (الهنود الحمر)، واللون الأصفر الفاتح كما عند (الصينيين الشماليين ). كما يمتاز هذا العرق باستقامة الشعر ونعومته -إلى حدّ ما -على الرأس، وقلّة كثافته على الجسم والذقن .
ويمثّل هذا العرق : المغول الأصليون (الأسكيمو، اليابانيون، الكوريون، والصينيون) وكذلك، الأتراك والأندونيسيون، والهنود الأمريكيون، وسكان التيبت.
إنّ هذه الاختلافات الشكلية الظاهرة بين العروق (الأنواع) الثلاثة، هي العوامل الأساسية التي يعتمد عليها في الدراسات الأنثروبولوجية، للتمييز بين الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّ بعض العلماء يضيفون عاملاً آخر للتمييز بين عرق وآخر، يتمثّل في القدرات الذكائية (نسبة الذكاء )، مع أنّ هذا العامل لم تثبت صحّته، حيث أنّ الزنجي الأسود، على سبيل المثال، لا يقلّ ذكاء عن الأمريكي الأبيض، في حال وفّرت لـه الظروف النمائية والتربوية المناسبة .
ويميل معظم علماء الأنثروبولوجيا اليوم، إلى نبذ حتى الفكرة القائلة بأنّ تقدّم أي شعب من الشعوب في مدارج الحضارة، يقيم دليلاً غير مباشر على قدرات هذا الشعب الفطرية. وقد تأثّر هؤلاء العلماء بالدور الذي يؤدّيه انتشار الثقافات في تحقيق التقدّم، وبأثر " الأحداث العَرَضيّة " في توجيه التطوّر. ولذلك تراهم يميلون إلى إهمال ما يسمّى بالقدرات الفطرية لشعوب العالم، ويؤثرون كتابة تاريخ الحضارة في ضوء عوامل البيئة والحظّ وتسلسل الأحداث المترابطة. (لينتون، 1967، ص 59)
وهذا يعني أنّ البيئة الاجتماعية والطبيعية لها دور كبير في تكوين الشخصيّة الإنسانية، المنتجة والمبدعة، وليست العوامل الوراثية (العرقية) فحسب. وهذا ما بدأت تأخذ به الدراسات الإنسانية المعاصرة .

**

مصادر الفصل ومراجعه
-
أبو هلال، أحمد (1974) مقدّمة في الأنثروبولوجيا التربوية، المطابع التعاونية، عمّان.
-
اسماعيل، قباري محمد (1973) الأنثروبولوجيا العامة، منشأة المعارف، الإسكندرية .
-
الجباوي، على (1997) الأنثروبولوجيا – علم الإناسة – جامعة دمشق .
-
لينتون، رالف (1967) الأنثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث، ترجمة : عبد الملك الناشف، المكتبة العصرية، بيروت .
-
محمد، رياض (1974) الإنسان – دراسة في النوع والحضارة، دار النهضة العربية، القاهرة .
-
ناصر، ابراهيم (1985) الأنثروبولوجيا الثقافية، (علم الإنسان الثقافي)،عمّان .


إبراهيم الساعدي  
 



ليست هناك تعليقات: